اف واه
بقلم : عدنان زغموت
لطالما أعجبُ من سلوكِ إنسانٍ يختارُ طواعيةً الدخولَ إلى زنازينَ بقدمين لم يُكبْلهُما أحد. هذا هو حال عمي ( أبو احمد) الذي يُقال والله ُ أعلم أنه وُلدَ حراً كسائر البشر حتى عضته أنيابُ الحياة فوقعَ صريعَ لوثةِ أُفٍ عَجزَ المنجمون عن إنقاذه منها. تعايش مع بلواه ,وصارت الكلمة رفيقة دربه, يشربها مع مائه يمضغها مع لقمته , تسبقه إلى وسادته وتسكن على طرف لسانه , يستقبل بها ضيفا أوقعه جهُلهُ بالفخ مرةً يقول بعدها: تثكلني أمي إن اعدتها. صار الناس يبحثون عن أفٍ واحدة ليزيّنوا بها بعضَ مناسباتهم فلمْ يجدوها لأن عمي إحتكر محصولها وتربع ملكا على عرشها. مسكينٌ هذا الرجل, بات مرتعا لكل الصفات حميدُها وخبيثُها, تجري في عروق دمه وتعزف على أوتار نفسه نغمات تُطيّر نًعاس الناس من العين, هو هادئ هائج , رقيق خشن وثائر ساكن. من هنا تكمن صعوبة طرق ابوابه. ولو فكرنا يوما بطحنه وعصر زيته لانتهت أزمةُ أفٍ العالمية. ضِقْتُ بوضعه ذرعا واحتلني الحزن على رفيقة دربه, همست بأذنها وقلت: أماه ما الذي أوقعك في شراك عمي؟ قالت: سرقني من نفسي عندما قال لي ضمي قلبك إلى قلبي فخارت كبريائي أمام حبه. قلت : ألست نادمة؟ تنهدت طويلا وتجهم وجهها وقطب حاجباها وتغير لونها وأشاحت بوجهها عني وقالت: لا تزد أفا على أفي. كان عالم عمي صغيرا وأطلسُه لا يضم إلا خريطة واحدة لا تنتمي إلى أي قارة من القارات, يزرعها بخطاه ويقول اليوم طفت العالم باسره. ولسبب طارئ قاهر , قرر الخروج من الحي برفقة زوجته وقد ارتدى الحلة الوحيدة في خزانته, وفي الطريق لمح رجلا يقلم دالية تسلقت على سطح بيته0 أفزعه المنظر وصاح بالرجل: أفا ما أجهلك , ما هكذا تقلم عيدان العرائش, وبطريقتك ستقضي على كامل محصول العنب. اغتاظ الرجل وعبثا حاول الثأر لكرامته لكنه سرعان ما سقط صريعا بعد رشقه بصلية من سلاح عمي وقال: تفضل !!! فبدل أن تقول للدجاجة- كش- اكسر رجلها. نزع عمي سترته وناولها لزوجته وصعد إلى السطح على عجل ليضع بصمة عبقريته. قص عودا واحدا وسقط عن السلم, يغمى عليه لحظة ويصحو أخرى ليصيح بأعلى صوته : أف من العنب. هرعنا به إلى مشفى قريب وادخل إلى غرفة العمليات من فوره. انتظرنا طويلا فإذا بعربة طبية تخرج حاملة تمثالا أبيضَ وسألنا : أين هو عمي ؟ أشارت الممرضة إلى الصنم, صاحت زوجته وبكت, هدأت من روعها وقلت لها اطمئني فلا بد لعمي أن يكون بداخله وسيخرج يوما من شرنقته. سألت نفسي بسري: هل أسعفوا الرجل أم أنهم حنطوه استعدادا لنقله إلى مثواه الأخير في أهرامات مصر حيث يرقد بعض الفراعنة من افرد سلالته. وبعد شهرين تحرر عمي من أسره فسعدنا بعودته وحزنا في نفس الوقت لاستقبال أفه. المفاجأة كانت أن نطق بآه ونسي أفه, عجبنا لأمره وقلنا عماه أين أفك فقال: لقد قضت آهي على أفي. ضحكت زوجته ضحكة عالية وأطلقت زغرودة هزت المكان, غضب منها وقال: أيتها الشامتة اصمتي وإلا ستذهبين إلى اهلك مطلقة ثلاثا باليمين0 ضحكنا جميعا وصحنا: وطئت سهلا وحللت أهلا يا سيد آه. وبمناسبة سلامته أمر اصغر بناته لترقص رقصة على الآه ونص. قلت آه منك وألف آه يا عمي خرجت من سجن إلى سجن.